الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
183
نفحات القرآن
5 - كيف تيقن الرسول بأنّ الوحي من اللَّه ؟ إنّ هذا السؤال من جملة الأسئلة التي طرحت حول مسألة الوحي ، كيف علم الرسول بأنّ الوحي من اللَّه وليس إِلقاءً شيطانياً ؟ وبتعبير آخر : ما هو مصدر هذا العلم واليقين ؟ إنّ الجواب عن هذا السؤال واضح ، فإضافة إلى أنّ الفرق بين الالقاءات الرحمانية والالقاءات الشيطانية كالفرق بين السماء والأرض ، فإنّ محتوى كلٍّ منهما يعرف نفسه ، وينبغي القول : إنّ الرسول عندما يتصل بالوحي يذعن بحقيقته بالنظر الباطني ، وأمره كالشمس الساطعة نهاراً ، فلا نعتني بالذي يشكك بوجودها ويقول : يُحتمل أن تكون وهماً لا أكثر ، وذلك لأنّ احساسنا بها قطعي ولا يقبل الشك . يقول العلّامة الطباطبائي قدس سره في تفسيره للآية : « فَلَمَّا أتَاهَا نُودِىَ يَا مُوسَى * إِنَّى أَنَا رَبُّكَ . . . » . ( طه / 11 - 12 ) وهذا حال النّبي والرسول في أوّل ما يوحى إليه بالنبوّة والرسالة ، لم يختلجه شك ولم يعتره ريب في أنّ الذي يوحي إليه هو اللَّه سبحانه ، من غير أن يحتاج إلى إمعان نظر أو التماس دليل ، أو إقامة حجة ، ولو افتقر إلى شيء من ذلك كان اكتساباً بالقوة النظرية ، لا تلقياً من الغيب ، من غير واسطة « 1 » . ومن هنا يتّضح عدم صحة ما جاء في بعض الروايات من أنّ الوحي عندما نزل لأول مرّة على الرسول في غار « حراء » ذهب إلى بيت خديجة وقصّ عليها ما جرى وأضاف : إِني أخاف على نفسي ( أي أخاف أن تكون الايحاءات شيطانية لا إِلهية ) فطمأنته خديجة ، ثم ذهبت به إلى ورقة بن نوفل ( ابن عم خديجة ) الذي كان يدين بالمسيحية في عهد الجاهلية ، وكان يجيد القراءة والكتابة العربية والعبرية ، فطلب من النبي أن يشرح ما جرى له . . وبعد ما قصَّ الرسول صلى الله عليه وآله ما جرى له ، قال ورقة : إنّه هو الوحي الذي كان يهبط على موسى عليه السلام وأضاف : ليتني أكون حياً كي أرى كيف يخرجك قومك من هذه المدينة « 2 » .
--> ( 1 ) . تفسير الميزان ، ج 14 ، ص 138 . ( 2 ) . نقل هذا المضمون كثير من المحدثين والمفسرين من أهل السنة منهم « البخاري في صحيحه » و « مسلم » و « سيد قطب في تفسيره في ظلال القرآن في بداية سورة العلق » كما ورد في « دائرة معارف القرن العشرين ، مادة ( وحي ) » .